ابن حمدون

263

التذكرة الحمدونية

عنهم ؛ وقد كان أصحاب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يقولون : من حجب اللَّه عنه العلم ، عذّبه على الجهل ، وأشدّ منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه ، ومن أهدى [ اللَّه ] إليه العلم فلم يعمل به ، فقد رغب عن هدى اللَّه ؛ فاقبل ما هدى اللَّه إليك من ألسنتنا قبول تحقيق وعمل ، لا قبول سمعة ورياء ، فإنه لا يخلفك منّا إعلام بما تجهل ، أو مواطأة على فضل ، فقد وطَّن اللَّه جلّ اسمه نبيّه على نزولها ، تعزية عمّا فات ، وتحصينا من التمادي ، ودلالة على المخرج فقال * ( وإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله ) * * ( الأعراف : 200 ) فأطلع [ اللَّه ] على قلبك بما يلوح به الحقّ الذي ينافي الهوى ، فإنّك إن لم تفعل ، لم تر للَّه أثرة عليك . فبكى المهديّ حتى همّ من كان على رأسه بضرب صالح ، وحتى ظنّوا أنه يموت . فقال : يا صالح ، لو وجدت رجالا يعملون بما آمرهم في رعيّتي ، لظننت بأنني ألقى اللَّه تعالى وأمر أمّة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم أقلّ ذنوبي وأهون حسابي ، ولكن دلَّني على وجه النجاة ، فإن لم أعمل به ، كنت أنا الجاني على نفسي . قال له صالح : أنت يا أمير المؤمنين أعلم بموضع النجاة . قال : ما كنت أنت بعظتي أولى مني بعظتك لي ، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب رضي اللَّه عنه ، ولا يصلح عليها أحد من أهل هذا العصر ؛ وذاك أنّ الناس في الزمن الماضي كان يرضى أحدهم بالطَّمر البالي ، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح ، وهم اليوم في تضاعيف الخزّ والوشي ، ومائدة أحدهم مثل الغنيّ ذي العيال في زمن عمر ، فإلى من أكلهم ؟ إلى ولد أبي طالب ، فو اللَّه ما أرى للمسلمين راحة فيهم ولا فرجا عندهم ، ولو أنّني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر لكنت أول مقتول ، وذلك أنّ الفطام عن هذا الحطام شديد لا يصبر عليه إلا المبرّز السابق . يا صالح ، لقد بلغني أنّ لسعيد بن سلم ألف سراويل ، ولحازم ألف جبّة ، ولعمارة بن حمزة ألف دوّاج ، وهذا أقلّ ملكهم ؛ فما ظنّك بي وهم عددي وسهام كنانتي ، ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد اللَّه بن مالك ، فلو حملتهم